السيد كمال الحيدري

14

شرح بداية الحكمة

1 . يبحث في الإلهيات « 1 » - من الحكمة النظرية - عن الموجود المطلق وأحكامه ، أي عن أحوال الموجود بما هو موجود والمنزّه عن أيّ قيد ، وموضوع الفلسفة - على هذا - هو الموجود المطلق ؛ وذلك في مقابل الطبيعيات والرياضيات ، إذ الموضوع لكل من هذين العلمين هو قسم خاص من أقسام الموجود وحصّة معيّنة منه ، وهو الموجود المقيد . ففي الرياضيات يقع البحث عن العدد وهو أحد أقسام الموجودات ، وفي الطبيعيات يبحث عن الجسم وهو أيضاً قسم خاص من الوجود ، وموضوعهما هو الوجود الخاص . ولقائل أن يقول : إن البحث في الموجود المطلق لا يختص بالموجود الواجب الوجود ، بل يشمل أيضاً الموجود الممكن الوجود ، وحيث إنّ البحث في الإلهيات يرتبط بالواجب الوجود ، فلا وجه لتسمية العلم الباحث في الموجود المطلق بالإلهيات حينئذ . ويجاب عن ذلك بأن الوجود إنما يثبت لواجب الوجود أولًا وبالذات ، وبتوسط الذات الواجبة يثبت الوجود للممكنات ثانياً وبالعرض ، فوجود الله تعالى وجود بالذات ووجود الممكنات وجود بالغير ، ومن هنا يتّضح أن تسمية هذا العلم بالإلهيات هو من باب تسمية الكل باسم أشرف أجزائه . وعليه ، فالبحث الفلسفي لا يقتصر في مجالاته على إثبات ذات الله تعالى وصفاته وأسمائه وأفعاله ونحو ذلك مما يندرج في مباحث الإلهيات بالمعنى الأخص ، وإن كان البحث في المجال المذكور يعدّ من المقاصد التي تحظى بأهمية بالغة في الفلسفة ، وإنّما يتّسع البحث في الفلسفة ليشمل مسائل

--> ( 1 ) يستعمل مصطلح ) الإلهيات ( بمعنيين : الإلهيات بالمعنى الأعم وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود المطلق ، ولا يختصّ بالواجب الوجود حينئذ . والإلهيات بالمعنى الأخص وهو العلم الباحث في ذات الواجب وصفاته وأسمائه أي بمباحث الربوبية وهو يختص بالواجب الوجود ، والمقصود من العبارة في المتن الإلهيات بالمعنى الأعم .